سعيد حوي

1976

الأساس في التفسير

أجل أن يتعظوا فكان موقفهم كموقف الأمم السابقة ، إن جاءهم الخصب والسعة ادعوا أن هذا لهم حق ومستحق ، وإن جاءهم الجدب والقحط ادعوا أن هذا بسبب موسى وقومه وما جاءوا به ، ناسين أن هذا كله من عند الله ؛ ولكنهم جهلة بالله وسننه ؛ ومع ما ابتلاهم الله به ومع كل ما رأوا من الآيات ؛ فإنهم عبروا عن تمردهم وعتوهم وعنادهم للحق ، وإصرارهم على الباطل بإعلانهم بأن أي آية يجيئهم بها موسى ، وأي حجة يقيمها عليهم ، فإنهم سيردونها ولا يقبلونها ، وأنهم لن يؤمنوا به ولا بما جاء به . فسلط الله عليهم البرد والأمطار المغرقة المتلفة للزروع والثمار ، والموت ، والجراد ، والقمل ، والضفادع ، وفي كل واحدة من هذه آية واضحة مفصلة ، ومع ذلك أصروا على الاستكبار ، وأصروا على التلبس بالإجرام ، وكان من دأبهم أنهم إذا وقع بهم العذاب طلبوا من موسى أن يدعو الله ليرفع العذاب ، معاهدين الله أنهم سيؤمنون بموسى ويرسلون معه بني إسرائيل ، وفي كل مرة كانوا ينكثون إذا رفع عنهم العذاب ، ثم إنهم لما أصروا على العتو والتمرد مع ابتلاء الله إياهم بالآيات المتواترة واحدة بعد واحدة ، انتقم الله منهم بإغراقه إياهم في البحر الذي فرقه الله لموسى فجاوزه وبنو إسرائيل معه ، ثم ورده فرعون وجنوده على أثرهم فلما استكملوا فيه ارتطم عليهم فغرقوا عن آخرهم ، وذلك بسبب تكذيبهم بآيات الله وتغافلهم عنها ، ثم أخذ الله بيد بني إسرائيل بعد ذلك ناقلا إياهم من حال إلى حال ، حتى أورثهم مشارق الأرض ومغاربها ، والمراد بالأرض التي أورثوها فلسطين تحقيقا لوعد الله لهم ودمر الله ما صنع فرعون وما بناه . وبهذه المعاني ينتهي هذا المقطع ، وهو كما قلنا من قبل نموذج على سنن الله التي ذكرها قبيل هذا المقطع من كونه يمتحن الذين يبعث إليهم رسولا - فيرفضون رسالته - بالبأساء والضراء ، ثم يعطيهم خصبا ليتعظوا بهذا وهذا ، ولكن جرت العادة أن يستكبروا ولا يتعظوا في الحالين وعندئذ يكون الأخذ . وهذا ما كان لفرعون وقومه . وكذلك رأينا أن الله قرر أن أكثر الناس ليس لهم عهد وأكثرهم فاسقون . وهكذا رأينا في قصة فرعون مع موسى في هذا المقطع كيف أن فرعون وقومه كانوا ينكثون في كل مرة . وقد رأينا كيف أن الله يتولى الفئة المؤمنة إما بتثبيتها حتى تقتل لتكون شهيدة ، وإما بنصرها والانتصار لها والانتقام من عدوها وإنجائها . وهي معان كلها تجري على نسق واحد ، عاقبة اتباع الهدى المنزل ، وعاقبة رفضه ، وذلك هو محور هذه السورة . ونلاحظ أنه في هذه السورة قد قص الله علينا مقطعا في قصة فرعون هو ما رأينا